عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
75
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
يعقوب فقال : كثير الأحزان وقد انحنى ظهره وذهب بصره على فقد ولده يوسف فوقع مغشيا عليه من البكاء فقالوا : ما هذا البكاء ؟ فقال : أخبرني هذا الأعرابي أن يعقوب أشرف على الهلاك فقالوا : وإذا هلك ما ذا يكون ؟ ثم قالوا : أله ذنب ؟ قال : نعم اتخذ محبوبا مع اللّه تعالى . ( حكاية ) : جاءت امرأة إلى الجنيد فقالت : زوجي يريد أن يتزوج علي فقال : إن لم يكن له أربع جاز أن يتزوج فقالت : لو جاز النظر إلى الأجانب لكشفت لك عن وجهي حتى تنظر إلي فتعرف أن من له مثلي لا ينبغي له أن يتزوج غيري فوقع الجنيد مغشيا عليه فلما أفاق سئل عن ذلك فقال : كان الحق سبحانه يقول : لو جاز لأحد النظر إلي في الدنيا لكشفت له الحجاب عن وجهي حتى ينظر إلي فيعرف أن من له مثلي لا ينبغي أن يكون في قلبه سواي . ورأيت في قواعد ابن عبد السلام قول القائل : ولو أن ليلى أبرزت حسن وجهها * لهام بها اللوام مثل هيامي ولكنها أخفت محاسن وجهها * فضلوا جميعا عن حضور مقامي وقال أهل الإشارات : إن إبراهيم عليه السلام ادعى محبة اللّه تعالى ثم نظر إلى ولده بعين المحبة فلم يرض حبيبه بمحبة مشتركة فقيل له : اذبح ولدك فلما استسلم قيل له ليس المراد ذبح الولد إنما المراد أن ترد قلبك إلينا فلما رددته إلينا رددنا عليك ولدك الذبيح إسماعيل على الصحيح . حكاه القرطبي في سورة مريم عن المعظم لكنه صحح في الصافات أنه إسحاق ، وقيل لمريم : ألا تتزوجين ؟ فقالت : لساني مشغول بذكره وجوارحي بخدمته وقلبي بمحبته فرزقها اللّه عيسى من غير أب كما سيأتي مبسوطا في فضل الأمة . وقال وهب : قرأت في بعض كتب اللّه تعالى قال موسى عليه السلام لإبليس : لم لا سجدت لآدم ؟ فقال : ما أردت أن أكون مثلك فإني ادعيت محبته فما أردت السجود لغيره واخترت العقوبة عن كذب دعواي وأنت ادعيت محبته فقال لك انظر إلى الجبل فنظرته ولو غمضت عينيك لنظرت إليه . وقال سهل بن عبد اللّه : ما من ساعة إلا ويطلع اللّه فيها على عباده فأي قلب وجد فيه غيره سلط عليه إبليس . وقال الشبلي في قوله تعالى : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ [ النور : 30 ] غض أبصار الرؤوس عن المحرمات ، وغض أبصار القلوب عن غير اللّه تعالى . ( لطيفة ) : السلحفاة لا تحضن بيضها بل تنظر إليه فيؤثر نظرها فيه فيصير فرخا فكيف إذا نظر الخالق إلى قلب عبده المؤمن كما ورد كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة . قال النسفي : أوحى اللّه إلى موسى عليه السلام إني خلقت في جوف عبدي بيتا وسميته قلبا وجعلت أرضه المعرفة وسماءه الإيمان وشمسه الشوق وقمره المحبة وترابه الهمة ورعده الخوف وبرقه الرجاء وغمامه الفضل ومطره الرحمة وشجره الوفاء وثمره الحكمة ونهاره الفراسة وهي الضياء وليله المعصية وهي الظلمة وله باب من العلم وباب من الحلم وباب من اليقين وباب من الغيرة ، وله ركن من الأنس وركن من التوكل وركن من اليقين وركن من الصدق ، وعليه قفل من الفكر لا يطلع على